محمد حسين الذهبي

450

التفسير والمفسرون

قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة ، تارة بالتصريح ، وتارة بالتلويح . ويظهر لنا أن الرجل كان يستعمل عقله الحر ، مع تسلط روح التعصب عليه ، فأحيانا يتغلب العقل على التعصب ، فيصدر حكمه عادلا لا تكدره شائبة التعصب ، وأحيانا - وهو الغالب - تتغلب العصبية المذهبية على العقل ، فيصدر حكمه مشوبا بالتعسف ، بعيدا عن الإنصاف . طرف من إنصافه . وإذا أردت أن أضع يدك على شئ من إنصاف الرجل واستعماله لعقله ، فانظر إليه عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 187 ) من سورة البقرة : « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ . . . الآية » حيث يقول : ( المسألة السادسة عشرة : قوله تعالى « وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ » الاعتكاف في اللغة هو اللبث ، وهو غير مقدر عند الشافعي ، وأقله لحظة ، ولا حد لأكثره . وقال مالك وأبو حنيفة : هو مقدر بيوم وليلة ، لأن الصوم عندهما من شرطه . قال علماؤنا : لأن اللّه تعالى خاطب الصائمين . وهذا لا يلزم في الوجهين : أما اشتراط الصوم فيه بخطابه تعالى لمن صام فلا يلزم بظاهره ولا باطنه ، لأنها حال واقعة لا مشترطة ، وأما تقديره بيوم وليلة لأن الصوم من شرطه فضعيف ، فإن العبادة لا تكون مقدرة بشرطها ، ألا ترى أن الطهارة شرط في الصلاة ، وتنقضى الصلاة ، وتبقى الطهارة ؟ . . . « 1 » ) اه . فأنت ترى أن المؤلف - رحمه اللّه - لم يرقه هذا الاستدلال الذي أظهر بطلانه ، وهذا دليل على أنه يستعمل عقله الحر أحيانا ، فلا يسكت على الزلة العلمية فيما يعتقد ، وإن كان فيها ترويج لمذهبه . وانظر إليه عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 6 ) من سورة المائدة « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ . . . الآية » حيث يقول : ( المسألة السابعة والعشرون في قوله تعالى « برءوسكم » ، . . ثم يذكر أن العلماء اختلفوا في مسح

--> ( 1 ) ج 1 ص 40